الشيخ محمد النهاوندي
81
نفحات الرحمن في تفسير القرآن
و [ ما ] بعده مبتدأ وقوله : يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ « 1 » خبره ، وهو بمكان من الضّعف لقوّة ظهور الواو في العطف ، وعدم وجود قرينة في المقام تليق أن تكون صارفا عنه . وأضعف منه تأييد بعضهم هذا التّوهّم بأن الآية دلّت على ذمّ متّبعي المتشابه ، ووصفهم بالزّيغ وابتغاء الفتنة ، وعلى مدح الذين فوّضوا العلم إلى اللّه ، وسلّموا إليه ، حيث إنّ الآية دالّة على ذمّ أهل الزيغ غير العالمين بتأويل المتشابه ، بأنّهم مع جهلهم بتأويله يؤوّلونه ويتّبعونه لا طلبا للحقّ ، بل ابتغاء للفتنة ، ففيهم جهات عديدة الذمّ . وأمّا الرّاسخون في العلم فإنّهم لعلمهم بتأويله ، ومعرفتهم بالعلوم المندرجة في المتشابهات ، يتجاهرون بالإيمان بها ، ويشهدون على رؤوس الأشهاد بأنّها كلام اللّه كالمحكمات . ولو كان أهل الزيغ والعلم مشاركين في الجهل بالتأويل متفاوتين في الإيمان والنفاق لم يحسن توصيف المؤمنين بالعلم ، بل كان الأنسب أن يقال : ( وأما الرّاسخون في الايمان يقولون آمنّا به كلّ من عند ربنا ) مع أنّ التأييد المذكور لا يقاوم البرهان الّذي قدّمناه من لزوم اللّغو على الحكيم ، وهو محال عند العدليّة ، ومستبعد عند من يجوّز القبيح على اللّه من الأشاعرة . وأمّا استدلالهم بما رووه بطرقهم ، عن الأعمش ، قال : إنّ في قراءة ابن مسعود ( إن تأويله إلّا عند اللّه والراسخون في العلم يقولون آمنّا به ) « 2 » فموهون سندا ودلالة ، لعدم كون ما نقل عنه قرآنا يقينا ، بل هو تفسير له ، ولعلّ مراده أنّ الراسخين لا يؤوّلون المتشابه من قبل أنفسهم وأهوائهم ، بل بتعليم اللّه إيّاهم . فالعلم به أولا عند اللّه ، ثمّ بإفاضته يعلمه الراسخون ويقولون : آمنّا به كلّ من المحكم والمتشابه من عند اللّه ، كاشفات عن العلوم غير المتناهية الإلهيّة ، وبهذا يجمع بين الرواية السابقة عن ابن عبّاس ، وما روي عنه من قراءته : ( وما يعلم تأويله إلّا اللّه ويقول الراسخون في العلم آمنّا به ) « 3 » وما روي عن أبيّ بن كعب أنّه قرأ : ( ويقول الرّاسخون ) « 4 » . ومثله في الوهن استدلالهم بما روي عن أبي مالك الأشعري أنّه سمع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله يقول : « لا أخاف على أمّتي إلا ثلاث خلال : أن يكثر لهم المال فيتحاسدوا فيقتتلوا ، وأن يفتح لهم الكتاب
--> ( 1 ) . آل عمران 3 : 7 . ( 2 ) . الإتقان في علوم القرآن 3 : 7 ، والآية من سورة آل عمران : 3 / 7 . ( 3 ) . الإتقان في علوم القرآن 3 : 6 . ( 4 ) . الإتقان في علوم القرآن 3 : 7 .